اسم الکتاب : تفسیر القرآن الکریم المؤلف : الملا صدرا الجزء : 6 صفحة : 279
للقرآن حقيقة معقولة لا يطلع عليها أحد إلا من شاء اللّه تعالى، و
حقيقة بالقياس إلى مداركنا و حواسنا، كما إن للحق تعالى ذاتا أحدية لا يكتنهها أحد
غيره، و ذاتا متصفة بالإضافات و الإستواء على العرش. 191 فلينظر كيف لطف اللّه تعالى بخلقه في نزوله عن عرش جلاله إلى
درجة أفهام خلقه، و في إيصال كلامه إلى أفهام خلقه، و انظر كيف يجلب لهم إياه في
حروف و أصوات- هي صفات البشر- و لو استتار كنه جمال كلامه بكسوة الحروف لما ثبت
لسماع كلامه عرش و لا ثرى و لتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه و سبحات نوره، و لو
لا أن ثبّت اللّه موسى- على نبيّنا و آله و عليه السّلام- لما أطاق سماع كلامه،
كما لم يطق الجبل مبادي تجليه حيث صار دكّا دكّا.
و قد عبّر بعض العارفين عن هذا و قال: إن كل حرف من كلام اللّه في
اللوح أعظم من جبل قاف، و إن الملائكة لو اجتمعت على الحرف الواحد أن نقلوه لما
أطاقوه حتى يأتي إسرافيل- و هو ملك اللوح- فيرفعه فينقله بإذن اللّه لا بقوته و
طاقته، و لكن اللّه طوقه ذلك و استعمله به.
فقوله: «كل حرف من كلام اللّه أعظم من كذا ...» المراد منه إن كل معنى من المعاني العقلية بحيث
لا يمكن حمله بقوة جسمانية- لما ثبت من أن المعنى العقلي لا يحمله المحل الجسماني-
و الملائكة الذين لا يطيقون حمل المعاني العقلية الكلية هم الملائكة الجسمانيون،
فحق إن المعاني القرآنية ما لم تنزل بكسوة التعينات الجزئية و الأصوات و الألفاظ
لا يحمله الطبائع الجسمانية و المدارك الخيالية الانطباعية و المراد بإسرافيل إما
الملك العقلاني المفيض لفلك الشمس التي هي بمنزلة قلب العالم- كما مر- أو الملك
النفساني المدبر لها. و ظاهر أن العقول المجردة لا يحمل المعاني الكلية إلا بافاضة
اللّه تعالى عليها.
الخاصية الثالثة: قوة في النفس الإنساني من جهة جزئها العملي و قواها
التحريكية ليؤثر في هيولى العالم بإزالة صورة و نزعها عن المواد، و بإيجادها
اسم الکتاب : تفسیر القرآن الکریم المؤلف : الملا صدرا الجزء : 6 صفحة : 279