responsiveMenu
صيغة PDF شهادة الفهرست
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
اسم الکتاب : تفسير المنار المؤلف : رشيد رضا، محمد    الجزء : 1  صفحة : 392
أَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ مِنْهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِأَبْنَائِهِمَا مَعًا، وَهُمْ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) .
ذَكَرَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ وَحُكْمَ الرَّاغِبِ عَنْهَا وَوَصِيَّتَهُ بَنِيهِ بِهَا، وَوَصِيَّةَ حَفِيدِهِ يَعْقُوبَ بَنِيهِ بِهَا أَيْضًا، وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّ بَنِي إِبْرَاهِيمَ كَانُوا يُوصَوْنَ بِمَا أَوْصَاهُمْ أَبُوهُمْ، فَإِنَّ يَعْقُوبَ أَخَذَ الْوَصِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ إِسْحَاقَ، وَذَلِكَ مِنْ ضُرُوبِ الْإِيجَازِ الدَّقِيقَةِ.
ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُقَرِّرَ أَمْرَ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ وَيُؤَكِّدَهَا وَيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي)
أَقُولُ: هَذَا إِضْرَابٌ عَمَّا قَبْلَهُ وَانْتِقَالٌ إِلَى اسْتِفْهَامٍ إِنْكَارِيٍّ وُجِّهَ إِلَى الْيَهُودِ عَنْ وَصِيَّةِ جَدِّهِمْ يَعْقُوبَ لِآبَائِهِمُ الْأَسْبَاطِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: مَعْنَاهُ أَكُنْتُمْ غَائِبِينَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذِ احْتَضَرَ يَعْقُوبُ فَسَأَلَ بَنِيهِ عَمَّا يَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِهِ سُؤَالَ تَقْرِيرٍ لِيُشْهِدُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَالسُّؤَالُ بِ (مَا) أَعَمُّ مِنَ السُّؤَالِ بِ " مَنْ " لِأَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِمَنْ يَعْقِلُ وَمَا أُنْزِلَ مَنْزِلَتَهُ بِسَبَبٍ يُجِيزُ ذَلِكَ، وَالسُّؤَالُ بِكَلِمَةِ (مَا) يَعُمُّ الْعَاقِلَ وَغَيْرَهُ، وَتَتَعَيَّنُ (مَا) فِي السُّؤَالِ عَنِ الْعَاقِلِ إِذَا أُرِيدَ وَصْفُهُ نَحْوَ (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) (26: 23) ؟ وَهَذَا الِاصْطِلَاحُ لِلنُّحَاةِ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ وَصْفِ اللهِ - تَعَالَى - بِلَفْظِ ((الْعَاقِلِ)) شَرْعًا؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتَهُ - تَعَالَى - تَوْقِيفِيَّةٌ، (قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَاقَ) عَرَّفُوا الْإِلَهَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى آبَائِهِمْ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ انْفَرَدُوا بِعِبَادَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَحْدَهُ، وَدَعَوُا الْأُمَمَ إِلَى ذَلِكَ فِي وَقْتٍ فَشَتْ فِيهِ عِبَادَةُ آلِهَةٍ كَثِيرِينَ مِنَ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَغَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ سَحَرَةُ مُوسَى عِنْدَمَا آمَنُوا: (آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) (7: 121 - 122) . وَإِسْمَاعِيلُ عَمُّ يَعْقُوبَ، ذُكِرَ مَعَ آبَائِهِ لِلتَّغْلِيبِ أَوْ لِتَشْبِيهِ الْعَمِّ بِالْأَبِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ((عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ)) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ جَائِزٌ يَكْثُرُ فِي الْقُرْآنِ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ وَابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَخِلَافًا لِجُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ (إِلَهًا وَاحِدًا) أَيْ نَعْبُدُهُ حَالَ كَوْنِهِ إِلَهًا وَاحِدًا لَا نُشْرِكُ مَعَهُ أَحَدًا بِدُعَاءٍ، وَلَا تَوَجُّهٍ فِي قَضَاءِ حَاجَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّنَا نَحْنُ مُنْقَادُونَ مُذْعِنُونَ مُسْتَسْلِمُونَ لَهُ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ (لَهُ) .
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الْآيَةِ مَا مَعْنَاهُ:
خُلَاصَةُ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ عَقِيدَةُ الْوَحْدَانِيَّةِ فِي الْعِبَادَةِ وَإِسْلَامِ الْقَلْبِ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَالْإِخْلَاصِ لَهُ. وَتَكْرَارُ لَفْظِ (الْإِسْلَامِ) فِي هَذِهِ الْآيَاتِ يُرَادُ بِهِ تَقْرِيرُ حَقِيقَةِ الدِّينِ. ذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَدَّعِي أَنَّ لَهَا دِينًا خَاصًّا بِهَا وَأَنَّهُ الْحَقُّ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْقَبَائِلُ وَالشُّعُوبُ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَنْتَمِي إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَى وَثَنِيَّتِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى كُلٌّ يَدَّعِي دِينًا خَاصًّا بِهِ وَأَنَّهُ الْحَقُّ،

اسم الکتاب : تفسير المنار المؤلف : رشيد رضا، محمد    الجزء : 1  صفحة : 392
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
صيغة PDF شهادة الفهرست