responsiveMenu
صيغة PDF شهادة الفهرست
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
اسم الکتاب : تفسير المنار المؤلف : رشيد رضا، محمد    الجزء : 1  صفحة : 273
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)
هَذَا ضَرْبٌ آخَرُ مِمَّا ذَكَرَ اللهُ - تَعَالَى - بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي سِيَاقِ دَعْوَتِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ.
قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ. كَانُوا قَوْمًا فَلَّاحَةً فَنَزَعُوا إِلَى عِكْرِهِمْ، فَأَجْمَعُوا مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَطَلَبَتْ أَنْفُسُهُمُ الشَّقَاءَ اهـ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِهِ وَنَقْدِهِ وَرَدِّهِ مَا نَصُّهُ: فَلَّاحَةٌ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ جَمْعُ فَلَّاحٍ بِمَعْنَى الزُّرَّاعِ، وَعِكْرُهُمْ بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَصْلُهُمْ، وَأَجَمَ الطَّعَامُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَعَلِمَ كَرِهَهُ مِنَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ. وَهُوَ بَيَانٌ لِمَا بَعَثَهُمْ عَلَى أَنْ يَسْأَلُوا مُوسَى أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ لِيُخْرِجَ لَهُمْ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ الَّتِي طَلَبُوهَا، وَالسَّبَبُ فِي جَهْرِهِمْ بِذَلِكَ وَثَوْرَتِهِمْ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ هُوَ تَمَكُّنُ الْعَادَةِ مِنْ نُفُوسِهِمْ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْهَا وَجَاءَهُمْ مَا لَمْ يَكُونُوا يَأْلَفُونَ نَزَعُوا إِلَى مَا كَانُوا قَدْ عُوِّدُوهُ مِنْ قَبْلُ. وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ لَكَانَ فِي ذَلِكَ الْتِمَاسُ عُذْرٍ لَهُمْ، وَلَمَا عَدَّ اللهُ هَذَا الْقَوْلَ فِي خَطَايَاهُمْ، بَلْ إِنَّ السَّآمَةَ مِنْ تَنَاوُلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ قَدْ يَكُونُ مِنْ لَوَازِمِ الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَّا مَا شَذَّ مِنْهَا لِعَادَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ، وَلَا يُعَدُّ مَا هُوَ مِنْ مَنَازِعِ الطِّبَاعِ جُرْمًا إِذَا لَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ فِي مَحْظُورٍ. وَسِيَاقُ الْآيَاتِ قَبْلَهَا وَمَا يَلْحَقُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ) (2: 63) . . . إِلَخْ، كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا عُدِّدَ مِنْ أَفَاعِيلِهِمْ مَعَ تَضَافُرِ الْآيَاتِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَتَوَارُدِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ كُلُّهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا
تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ إِيرَادَ تِلْكَ الْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ مِنْ ضَرْبِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَاسْتِحْقَاقِ غَضَبِ اللهِ - تَعَالَى - عَقِبَ مَقَالِهِمْ هَذَا.
وَالَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الْفَهْمُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ النَّزَقَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى طِبَاعِهِمْ وَمَلَكَ الْبَطَرُ أَهْوَاءَهُمْ حَتَّى كَانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي هَيَّأَهُمُ اللهُ لَهُ مِنَ التَّمَكُّنِ فِي الْأَرْضِ الْمَوْعُودَةِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْخَسْفِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ. وَمَعَ كَثْرَةِ مَا شَاهَدُوا مِنْ آيَاتِ اللهِ الْقَائِمَةِ عَلَى صِدْقِ

اسم الکتاب : تفسير المنار المؤلف : رشيد رضا، محمد    الجزء : 1  صفحة : 273
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
صيغة PDF شهادة الفهرست